محمد أبو زهرة
3660
زهرة التفاسير
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) . جاء ذكر الكتاب بعد الحروف المفردة التي فهم بعض المفسرين أنها رمز للكتاب الكريم ، وفي كلمة كِتابٌ التنكير للتعظيم ، أي أنه كتاب عظيم لا يطاول ولا يأتي أحد بمثله ، أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي نسقت ألفاظه فهي متآخية في نغمتها وتآلفها وهو نسق بيانى مؤتلف غير مختلف ، ومعانيه متساوقة فالخواطر تتسابق إلى النفس بإيماء من اللّه يمهد كل معنى لما يليه كعقد من الجواهر تتبع كل حبة أختها ، وأحكم مدلوله لا يعروه تضليل ولا تبديل ، ولا تناقض أو تضارب في معانيه ، بل إنها متلاقية متعاونة مدعمة بالحجج والبراهين القاطعة الحاسمة تسير متهادية متصلة ، ولكلمات اللّه المثل الأعلى . ثُمَّ فُصِّلَتْ ( ثم ) للترتيب والتراخي ، والتراخي هو التراخي المعنوي ، ذلك لأن الناس ألفوا أن الكلام المحكم في نغمه وألفاظه وكلماته وأسلوبه لا يكون مفصلا في معانيه ، أي لا يكون مبينا واضحا ؛ لأن النغم يشغل القارئين عن المعاني ، ولكن هذا القرآن كتاب اللّه الخالد في الوجود الإنسانى ، كان مع حلاوة نغمه وتواصله وعباراته وتساوق معانيه مبينا مفصلا لأبواب الحلال والحرام والعقائد والمواعظ . والترتيب ليس للترتيب الزمنى ، إنما هو للترتيب الفكري والترابط النفسي فكلمة ثُمَّ هنا للترتيب والتراخي . ولقد أعطى اللّه تعالى القرآن شرفا إضافيا بعد شرفه الحقيقي في إعجازه وأنه لا يزال يتحدى الخليقة عربا وعجما أن يأتوا بمثله وأنى يكون ، فيقول تعالى : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ كلمة مِنْ لَدُنْ معناها من عند ، وقل أن تستعمل في القرآن الكريم في غير جانب اللّه العليم القادر . ويقول الزمخشري في معنى الآية الكريمة : أُحْكِمَتْ دون الباطل ثُمَّ فُصِّلَتْ كما تفصل القلائد الفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص . إذ جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ووقّت في التنزيل فلم تنزل جملة واحدة ، فإن قلت ما معنى كلمة ثُمَّ ؟ قلت : ليس معناها التراخي في الوقت بل في الحال ، فتقول هي محكمة أحسن